كلما اقترب موعد قرار جديد لأسعار الفائدة في مصر، عاد السؤال ذاته إلى واجهة النقاش الاقتصادي: هل يخفض البنك المركزي الفائدة أم يثبتها؟ لكن السؤال الأهم الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي هو: ماذا يحدث بعد الخفض؟ وهل يتحول التمويل الأقل...
كلما اقترب موعد قرار جديد لأسعار الفائدة في مصر، عاد السؤال ذاته إلى واجهة النقاش الاقتصادي: هل يخفض البنك المركزي الفائدة أم يثبتها؟ لكن السؤال الأهم الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي هو: ماذا يحدث بعد الخفض؟ وهل يتحول التمويل الأقل تكلفة تلقائيًا إلى مصانع جديدة ووظائف واستثمارات منتجة تحرك قاطرة النمو المستدام؟

خفض الفائدة ليس خطة اقتصادية مكتملة
قد يساعد خفض الفائدة، عندما تسمح به ظروف التضخم والاستقرار النقدي، في تخفيف أعباء الاقتراض وتحسين الجدوى المالية لبعض المشروعات القائمة. لكنه لا يعالج وحده بطء استخراج التراخيص الصناعية، أو عدم وضوح الإجراءات والرسوم، أو ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، أو صعوبة النفاذ إلى الأسواق الخارجية والتصدير.
إن المستثمر الحقيقي لا يتخذ قراره بناءً على سعر القرض البنكي فقط؛ بل على قدرته الواضحة على توقع العائد وحساب المخاطر وسرعة تنفيذ مشروعه على أرض الواقع دون تعقيدات بيروقراطية.
التضخم أولًا.. ولكن ليس وحده في المعادلة
إن المفاضلة بين كبح جماح التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي ليست مباراة صفرية بين فريقين. فالاستقرار السعري شرط جوهري للتخطيط والاستثمار طويل الأجل، مثلما أن زيادة الإنتاج وتوسيع المعروض السلعي ضروريان لتخفيف الضغوط التضخمية على المدى الأطول.
لذلك لا ينبغي التعجل في التيسير النقدي لمجرد تباطؤ رقم التضخم السنوي العام؛ إذ يلزم صانع القرار النظر بعمق إلى التضخم الشهري والأساسي، وتوقعات التضخم المستقبلية، واستقرار سوق الصرف الأجنبي، والمخاطر الجيوسياسية الإقليمية الضاغطة.
لماذا قد لا تصل فائدة أقل إلى أصحاب المشروعات الصغيرة؟
حتى عندما تنخفض أسعار العائد المرجعية في أروقة البنك المركزي، قد تبقى تكلفة التمويل الفعلية مرتفعة لبعض الشركات الصغيرة والمتوسطة بسبب علاوة المخاطر الائتمانية أو تعنت متطلبات الضمان العيني أو ضعف ميزانياتها المحاسبية.
وهنا تظهر الفجوة الخطيرة بين القرار النقدي وواقع الاقتصاد الحقيقي: فما يفيد المقترض الكبير ذا الملاءة المالية القوية قد لا يصل بالقدر نفسه إلى مشروع صناعي صغير يحتاج بشدة إلى رأس مال عامل لتشغيل خط إنتاجه. ومعالجة هذه الفجوة تستدعي تطوير أدوات تقييم المخاطر، وتقديم خدمات استشارية متخصصة للمشروعات، وتفعيل آليات ضمان مخاطر الائتمان بصورة أكثر شجاعة، بدلاً من الاكتفاء بالمطالبة بخفض عام للفائدة.
ثلاث أولويات حاسمة أمام صنّاع القرار الاقتصادي
- اعتماد مسار نقدي شفاف ومبني على البيانات: مع وجود تواصل إعلامي واضح يشرح أسباب القرار وحدود تأثيره؛ فالمصداقية هي السلاح الأقوى لتقليل حالة عدم اليقين لدى مجتمع الأعمال.
- تسريع الإجراءات لخفض التكلفة غير التمويلية للاستثمار: وفي مقدمتها ميكنة التراخيص، وسرعة تخصيص الأراضي الصناعية المرفقة، وحل منازعات الاستثمار بآليات ناجزة ومحايدة.
- توسيع وصول المشروعات الإنتاجية الحقيقية إلى التمويل: مع الحفاظ الصارم على الانضباط الائتماني والرقابي، وتفادي تحويل التيسيرات إلى مخاطر ائتمانية مؤجلة على الجهاز المصرفي أو المال العام.
ماذا يعني مسار الفائدة للمواطن والشارع المصري؟
لا يقيس المواطن البسيط نجاح السياسة الاقتصادية بمقدار نقاط الخفض أو الرفع في سعر الفائدة، بل بما يطرأ فعلياً على استقرار أسعار السلع الغذائية والخدمات الأساسية وتوافر فرص العمل الحقيقية ودخله الحقيقي القادر على تلبية احتياجاته المعيشية.
وقد يشعر المدخر بتراجع عائد شهاداته وأوعيته الادخارية إذا تراجعت الفائدة، بينما قد يستفيد المستثمر والمقترض من انخفاض عبء التمويل؛ أما التحسن المستدام في مستوى المعيشة فيرتبط دائماً بقدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج الذاتي وزيادة الصادرات وخلق وظائف ذات قيمة مضافة عالية.
خلاصة الرؤية: القرار النقدي الصحيح لا يكفي وحده
لا أدعو إطلاقاً إلى خفض الفائدة بأي ثمن ودون النظر لظروف التضخم، ولا إلى تثبيتها المفرط مهما تغيرت المؤشرات؛ بل أدعو إلى وضع القرار النقدي في مكانته الصحيحة كأداة حيوية للاستقرار، لكنها ليست بأي حال بديلاً عن الإصلاح الهيكلي الشامل لبيئة الاستثمار.
فإذا تراجع التضخم بصورة مستدامة، قد يصبح التيسير النقدي فرصة ذهبية لدعم الاستثمار؛ غير أن اقتناص هذه الفرصة يتطلب مؤسسات أعمال أكثر كفاءة ومناخاً يزرع الثقة. الفائدة الأقل قد تفتح الباب، لكن قدرة بيئة الأعمال الوطنية على جذب رؤوس الأموال وتوطين الصناعة هي الفيصل فيمن يستطيع العبور والنجاح.



