أخبارمنوعات

جغرافيا الشتات وجماليات الوعي المأزوم.. قراءة نقدية في رواية «ليلة القبض على يونس» للكاتبة عبير محمد

📌 نبذة موجزة (إجابة مباشرة لمحركات البحث والذكاء الاصطناعي):

ليس أشق على الكاتب في عمله الأول من أن يخوض غمار «رواية التكوين والرحلة» دون أن يقع في فخ التقريرية المباشرة أو تحويل النص إلى نشرة إخبارية توثق مأساة اللجوء والشتات؛ إلا أن الكاتبة عبير محمد استطاعت في روايتها «ليلة...

ليس أشق على الكاتب في عمله الأول من أن يخوض غمار «رواية التكوين والرحلة» دون أن يقع في فخ التقريرية المباشرة أو تحويل النص إلى نشرة إخبارية توثق مأساة اللجوء والشتات؛ إلا أن الكاتبة عبير محمد استطاعت في روايتها «ليلة القبض على يونس» (الصادرة عن الدار الأهلية ضمن منحة الكتاب الأول لمؤسسة عبد المحسن القطان) أن تتجاوز ذلك كله بذكاء فني مذهل، حيث انطلقت من رؤية واعية تجعل «الخفي النفسي»، وهواجس الاغتراب، وتصدعات الروح الإنسانية مجسدة وملموسة من خلال لغة سردية رشيدة ومحكمة، في رواية تبحث في معنى أن يكون الإنسان عالقاً بين رغبته الجامحة في التحرر، وقدره الذي يلاحق خطواته أينما ولى بوصلته.

«إن الفن لا يعكس المرئي، بل يجعله مرئياً.»
— بول كلي

«وفي مهاوي الشتات.. لا يبحث الإنسان عن جغرافيا جديدة، بل عن وطن للروح ضاع بين الأسئلة»

غلاف رواية ليلة القبض على يونس للكاتبة عبير محمد
غلاف رواية «ليلة القبض على يونس» للكاتبة عبير محمد.. الصادرة عن الدار الأهلية

يونس.. رمزية التيه والبحث عن الخلاص الإنساني

في قلب النص يبرز «يونس» كرمز متجدد للإنسان المحاصر بالأمل والبحث عن الخلاص؛ إذ تبتعد الكاتبة عبير محمد عن تقديم نموذج «البطل الخارق»، بل تقدم إنساناً بسيطاً ومحمّلاً بالأحلام والهشاشة الإنسانية والأسئلة الوجودية الكبرى. ويحمل اختيار اسم «يونس» ظلاً إيحائياً وتراثياً مكثفاً (حوت التيه والحصار والنجاة)، مما يمنح الشخصية عمقاً رمزياً يتقاطع مع واقع الشخصيات المعاصرة.

وقد أدارت الكاتبة صوت «الراوي العليم» ببراعة محترف، ليقف على مسافة متوازنة بين رصد حركة التاريخ وجدلية التفاصيل النفسية العميقة للبطل، مانحاً السرد طابعاً توثيقياً إنسانياً رفيعاً.

توثيق بكر لحقبة السبعينيات وباصات الصليب الأحمر

تناقش الرواية موضوع الهجرة والبحث عن الذات، لكنها تذهب أبعد من ذلك لتضيء حقبة تاريخية بالغة الأهمية من معاناة أبناء الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وتحديداً مرحلة السبعينيات وتجربة سفر طلاب وشباب قطاع غزة للدراسة عبر «باصات الصليب الأحمر» وما يرافقها من إجراءات، إضافة إلى كواليس التحقيق والاعتقال.

وهذه المرحلة لم تلقَ الاهتمام الكافي من قِبل الكتّاب والروائيين رغم قسوتها وفرادتها، مما يجعل النص وثيقة أدبية وإنسانية نادرة تسلط الضوء على ذاكرة جماعية كادت تُنسى لولا هذا الاشتغال السردي الواعي.

فضاءات السرد.. المكان والزمان كشخوص حية

يتشكل المكان والزمان في الرواية كفواعل درامية لا كخلفيات صامتة؛ فـ غزة هي المركز الوجداني الأول ونقطة الانطلاق العميقة، والإسكندرية ببحيراتها، وكورنيشها، وأحيائها المتباينة (غيط العنب، الإبراهيمية، كامب شيزار) تمثل مسرحاً للصدمة الأولى ومحطة لاختبار الوعي وتأسيس الذات.

ثم ينفتح الأفق نحو عواصم أوروبا (باريس وكورونيا) حيث البذخ الحضاري المزوّد بالاغتراب المطلق. المكان عند عبير محمد ليس مجرد إحداثيات جغرافية، بل هو كائن حي محمل برائحة الطين واليانسون والخبز وقهوة الصباح، لكنه في الوقت ذاته مفعم بروح العزلات وفقدان اليقين.

تحولات الوعي والاقتصاد اللغوي الرفيع

تتخلق رحلة يونس النفسية والمعرفية عبر سلسلة من التحولات واللقاءات النسائية الفارقة التي لا تُقرأ كعلاقات عاطفية عابرة، بل كـ «طبقات حضارية وفلسفية» يعكس فيها البطل صراعاته الداخلية بين البساطة والترف، الحنين والعبث.

كما تتسم لغة الرواية باقتصاد بليغ ورفيع؛ فهي تبتعد عن الترهل الإنشائي والخطابية المجانية، وتعتمد على «المشهدية البصرية» وتداعي الأفكار، مدعومة بتناص موسيقي ويومي يمنح النص إيقاعاً داخلياً يشد انتباه القارئ.

بنية دائرية محكمة وصرخة الوجع في زمن الحصار

تتوسل الكاتبة بنية دائرية محكمة؛ فالرواية تبدأ بهاجس القبض والملاحقة في حافلة الصليب الأحمر، وتنتهي في المشهد الأخير باعتقال مشابه على أرض القاهرة عقب رحلة طويلة. فنجاح يونس العلمي والأكاديمي في أوروبا وتجاوزه لحدود الجغرافيا لم يمنحاه الطمأنينة المطلقة، لأن «الغريب ليس من لا وطن له، بل من ضاعت بوصلة روحه بين الأسئلة».

إن رواية «ليلة القبض على يونس» ليست مجرد سرد لمغامرة شاب تخرج في كليّة الطب وتنقل بين العواصم، بل هي شهادة ميلاد لصوت روحي وفكري ناضج يمتلك أدواته الفنية بوعي مذهل. ومما يضفي غصة مريرة على هذا الإنجاز الثقافي الفريد، أن حرب الإبادة والحصار المستمر قد حال دون وصول نسخ الرواية إلى غزة، لتظل ممنوعة من دخول مسقط رأس الحكاية، في انتظار انقشاع ظلمة الحصار وانفتاح نوافذ النور من جديد.


بقلم الناقد والكاتب: أشرف سحويل
هاتف التواصل: 0599893269

بطاقة الرواية التعريفية

عنوان العمل رواية «ليلة القبض على يونس»
المؤلفة الكاتبة الفلسطينية عبير محمد
جهة الإصدار والمنحة الدار الأهلية للنشر والتوزيع – منحة الكتاب الأول لمؤسسة عبد المحسن القطان
كاتب القراءة النقدية الناقد أشرف سحويل

Dr. ahmed osama

طالب بكلية الطب ومحرر صحفي منذ عام 2021، يكتب ويحرر الأخبار في مختلف الأقسام والمجالات الصحفية، ويشارك في إعداد ونشر المحتوى الإخباري بعدد من الصحف والمواقع الإخبارية. 01065964224

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى