أخبار

الشارع يكشف أخلاقنا: حين يصبح الخطأ مألوفًا

الشارع يكشف أخلاقنا: حين يصبح الخطأ مألوفًا

      الدُّكْتُورُ تَحْرِيرُ طٰهَ عَبْدِ  الْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ

أكاديمي عراقي

باحث ومؤلف في العقيدة والفكر الإسلامي، وأديب وصحفي  وروائي

كيف يصبح الخطأ مألوفًا في الشارع؟

ليس كل ما اعتاده الناس صوابًا، ولا كل ما شاع بينهم جديرًا بالقبول؛ فقد يتحول الخطأ، بفعل التكرار والتقليد، إلى سلوك مألوف لا يستنكره فاعله، وربما دافع عنه بحجة أن الجميع يمارسونه، وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: حين يخطئ الجميع، هل يصبح الخطأ صوابًا، أم أن كثرة المخطئين قد تحجب عن المجتمع رؤية الحقيقة؟

إن الطريق العام ليس مجرد مساحة تعبرها الأقدام وتتحرك فوقها المركبات، بل هو مرآة تعكس أخلاق المجتمع ومستوى وعي أفراده واحترامهم لحقوق الآخرين، ففي الشارع تتجلى حقيقة القيم التي يؤمن بها الإنسان، لا في أقواله وشعاراته، وإنما في تصرفاته حين يستعجل، أو يغضب، أو يجد فرصة لتجاوز حق غيره دون رقيب.

قد يتحدث المرء عن الأخلاق والتحضر، لكنه حين يقود مركبته يتجاوز على الدور، أو يضيق على المشاة، أو يستخدم منبه السيارة بلا ضرورة، أو يوقف مركبته على الرصيف، وكأن الطريق ملك خاص له، وقد يسير على قدميه فيلقي النفايات، أو يعبر الشارع من مكان خطر، أو يتجاهل الإشارات المرورية، وهذه السلوكيات، وإن بدت لبعض الناس صغيرة، فإنها تكشف خللًا في فهم المواطنة؛ فالمواطن ليس صاحب حقوق فحسب، بل هو أيضًا صاحب مسؤوليات تجاه الآخرين والمجتمع.

وقد أرشد القرآن الكريم إلى مبدأ التعاون على الخير، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)، ومن صور هذا التعاون احترام النظام، وإفساح الطريق للمحتاج إليه، ومراعاة سلامة المارة، والامتناع عن كل تصرف يعرّض الناس للأذى.

حين يصبح الخطأ مألوفًا.. أين تبدأ مسؤولية المجتمع؟

وتبدأ المشكلة حين يتحول الخطأ إلى عرف اجتماعي، فقد يبرر سائق مخالفته بقوله: «الجميع يفعل ذلك»، وقد يتجاهل أحدهم قواعد العبور لأن الآخرين يتجاهلونها، وهكذا يصبح شيوع السلوك حجة لتبريره، بدلًا من أن يكون سببًا لمراجعته، غير أن العرف، مهما رسخ في المجتمع، لا يكون صوابًا لمجرد اعتياد الناس عليه؛ فالأعراف تُقوَّم بما تحققه من مصالح، وما تحفظه من حقوق، وما تنطوي عليه من قيم أخلاقية.

وليس المقصود رفض الأعراف والتقاليد، ففيها ما يعبر عن أصالة المجتمع، من إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، واحترام الكبير، ومساعدة المحتاج، وإنما المقصود التمييز بين العرف الذي يعزز المروءة والتكافل، والعادة التي تبرر الإهمال أو الاعتداء على حقوق الآخرين، وقد ذم القرآن الكريم التقليد الذي يصرف الإنسان عن الحق، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (البقرة: 170)، فالآية تذكّر بأن الموروث لا يُتخذ معيارًا مطلقًا للصواب، وأن على الإنسان أن يميز بين ما يستحق المحافظة عليه وما يحتاج إلى التصحيح.

الخطأ مألوفًا
الخطأ مألوفًا

وقد جعل الإسلام للطريق حقًا أخلاقيًا واضحًا، إذ ورد في صحيح مسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين»، وهذا توجيه نبوي صريح إلى إزالة ما يؤذي الناس في طرقهم، وإذا كانت إماطة الأذى عملًا يؤجر عليه الإنسان، فإن منع الأذى من أصله أولى بالعناية؛ فلا يليق بالمواطن أن يلقي النفايات في الشارع، أو يعيق مرور الناس، أو يقود بتهور، ثم يتحدث عن الأخلاق وكأنها لا تتصل بسلوكه اليومي.

ومن حقوق الطريق كذلك مراعاة الآخرين وعدم تحويل الانتفاع الشخصي إلى ضرر عام، فالرصيف للمشاة، وممر العبور لسلامتهم، والطريق للجميع وفق النظام، وليس لأحد أن يجعل حاجته أو استعجاله مبررًا لتعريض حياة غيره للخطر، كما أن المحافظة على النظام ليست انتقاصًا من الحرية؛ فالحرية التي لا تراعي حقوق الآخرين تتحول إلى تعدٍّ، والنظام العادل ضمان لسلامة الجميع.

وهنا تبرز قضية أعمق تتصل بتاريخنا وهويتنا الحضارية، فنحن أبناء بلد ضارب في القدم، شهد نشوء حضارات كبرى، وعرف تجارب مبكرة في تنظيم شؤون المجتمع وتقنين المعاملات، كما كانت بلادنا مهدًا لحضارات وادي الرافدين، التي تركت إرثًا مهمًا في تاريخ الكتابة والإدارة والتشريع، وهذه المنطقة نفسها ارتبط تاريخها برسالات الأنبياء ومراكز دينية وثقافية عريقة، وليس من الإنصاف أن يُختزل هذا التاريخ الطويل في سلوكيات خاطئة يمارسها بعض الأفراد في شوارعنا اليوم.

إن حضارة الشعوب لا تُقاس بأمجاد الماضي وحدها، كما لا يجوز الحكم على تاريخ أمة بأخطاء بعض أبنائها؛ وإنما تُقاس الحضارة أيضًا بقدرة المجتمع على صيانة إرثه الأخلاقي، وترجمة قيمه إلى سلوك يومي، فليس من الوفاء لتاريخ عريق أن نتغنى بأمجاده ثم نسيء إلى الناس في الطرقات، أو نفاخر بما تركه الأسلاف من نظم وتشريعات ثم نستهين بالنظام الذي يحفظ حقوق المواطنين.

إن احترام الطريق امتداد لاحترام الإنسان، والالتزام بالقانون صورة من صور المسؤولية، والمحافظة على الممتلكات العامة واجب أخلاقي واجتماعي، ولا يكفي أن نطالب الجهات المختصة بتنظيم الشوارع إذا كنا لا نؤدي واجبنا في احترامها، كما لا يجوز إعفاء المؤسسات من مسؤولياتها؛ فهي مطالبة بتوفير الأرصفة الآمنة، والإشارات الواضحة، وممرات ذوي الإعاقة، وتطبيق القوانين بعدالة على الجميع.

ويبدأ الإصلاح من الأسرة التي تربي أبناءها على احترام الآخرين، ومن المدرسة التي تجعل النظام ممارسة لا درسًا نظريًا، ومن الإعلام الذي يعزز السلوك الإيجابي، ومن المواطن الذي يرفض تبرير خطئه بأخطاء الآخرين، فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بكثرة الوعظ، بل بتحويل القناعة إلى ممارسة، والعرف الإيجابي إلى ثقافة عامة.

وفي الختام، حين يخطئ الجميع، لا يصبح الخطأ صوابًا؛ وإنما تصبح مراجعة السلوك ضرورة أشد إلحاحًا، إن الطريق العام امتحان يومي لأخلاقنا، ودليل على مدى احترامنا للإنسان الذي يشاركنا المكان والحياة، ومن أراد أن يكون جديرًا بتاريخ أمته وحضارتها، فليبدأ من سلوكه؛ لأن أمجاد الماضي لا تعفينا من مسؤولية الحاضر، والأخلاق لا تُثبت بالشعارات، بل بما نفعله حين نكون في الشارع، ماشيين أو راكبين.

ياسين على يحيى.. قصة صعود نجم طائرة هليوليدو ومنتخب مصر

الخطأ مألوفًا

الخطأ مألوفًا

الخطأ مألوفًا

الخطأ مألوفًا

الخطأ مألوفًا

الخطأ مألوفًا

Dr. ahmed osama

طالب بكلية الطب ومحرر صحفي منذ عام 2021، يكتب ويحرر الأخبار في مختلف الأقسام والمجالات الصحفية، ويشارك في إعداد ونشر المحتوى الإخباري بعدد من الصحف والمواقع الإخبارية. 01065964224

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى