الشباب العربي والسياسة الإقليمية .. هل حان وقت التأثير في 2026؟
الشباب العربي والسياسة الإقليمية بين الوعي السياسي والتأثير في قضايا المنطقة
بقلم: يسري ثابت
لم يعد الشاب العربي يستيقظ على أخبار بلاده فقط بضغطة واحدة على هاتفه، يستطيع أن يتابع ما يحدث في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان، وأن يعرف مواقف القوى الدولية، وأن يشاهد تحليلات سياسية من مختلف الاتجاهات، بل وأن يشارك بنفسه في النقاش حول قضايا كانت في الماضي حكرًا على السياسيين والصحفيين والخبراء.
لكن هذه القدرة على المتابعة تطرح سؤالاً أكبر من مجرد معرفة ما يحدث هل أصبح الشباب العربي طرفا في السياسة الإقليمية، أم أنه لا يزال مجرد متابع لها؟
الإجابة ليست بسيطة. فالشباب أصبح أكثر حضورًا في المجال العام، وأكثر قدرة على التعبير عن مواقفه، لكنه لم يتحول بالقدر نفسه إلى قوة سياسية منظمة قادرة على التأثير في اتجاهات القرار. وهنا تكمن المفارقة.
من مقاعد المتفرجين إلى ساحة التأثير
لسنوات طويلة، ارتبطت المشاركة السياسية في أذهان كثيرين بالانتخابات والأحزاب والمؤسسات الرسمية. لكن التكنولوجيا غيرت شكل المشهد.
اليوم يستطيع شاب في العشرين من عمره أن يصنع محتوى سياسيًا يصل إلى آلاف الأشخاص، أو يطلق حملة إلكترونية حول قضية إقليمية، أو يناقش قرارًا سياسيا، أو يقدم تحليلا لحدث دولي، دون أن يمتلك منصبًا أو عضوية في مؤسسة سياسية.
لقد أصبح الفضاء الرقمي أحد أهم ميادين النقاش السياسي العربي.
وهذا التطور منح الشباب فرصة لم تكن متاحة للأجيال السابقة بالسهولة نفسها القدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير في النقاش العام دون المرور دائما عبر المؤسسات التقليدية.
لكن امتلاك المنصة لا يعني بالضرورة امتلاك التأثير.
فقد يحصد منشور سياسي آلاف التفاعلات خلال ساعات، ثم يختفي من المشهد في اليوم التالي دون أن يترك أثرًا حقيقيا في السياسات أو المؤسسات أو القرارات.
ومن هنا يجب أن نفرق بين الانتشار والتأثير.
الانتشار هو أن يسمع الناس صوتك، أما التأثير فهو أن يصبح لهذا الصوت قدرة على تغيير فكرة أو تشكيل رأي عام أو دفع مؤسسة إلى إعادة النظر في موقف أو المساهمة في صياغة سياسة.

الشباب والقضايا التي تتجاوز الحدود
أحد أهم التحولات التي شهدها الوعي السياسي لدى الشباب العربي هو تراجع فكرة أن السياسة تنتهي عند حدود الدولة.
الأزمات الإقليمية جعلت الشاب العربي أكثر إدراكًا للترابط بين دول المنطقة. فالحرب في دولة قد تؤثر في اقتصاد دولة أخرى، وأزمة سياسية قد تنعكس على أسعار الغذاء والطاقة، وأمن الممرات البحرية يمكن أن يؤثر في التجارة والأسواق، بينما تستطيع أزمة إنسانية في دولة أن تصبح قضية رأي عام في عشرات الدول خلال ساعات.
القضية الفلسطينية مثال واضح على ذلك، لكنها ليست المثال الوحيد.
الأحداث في السودان وسوريا ولبنان واليمن وغيرها من الملفات الإقليمية جعلت قطاعات واسعة من الشباب تتابع السياسة الخارجية والعلاقات الدولية بصورة لم تكن شائعة بهذا الشكل من قبل.
ولم يعد الشاب يسأل فقط: ماذا يحدث؟»، وإنما بدأ يسأل أيضًا: «لماذا يحدث؟ ومن المستفيد؟ وما تأثيره على بلدي والمنطقة؟»
وهذا تطور مهم في الوعي السياسي.
لكن الوعي وحده لا يكفي.
المشكلة ليست في غياب الشباب.. بل في غياب التنظيم
ربما يكون الخطأ الأكبر هو القول إن الشباب العربي بعيد عن السياسة.
الحقيقة أن الشباب حاضر بقوة، لكنه حاضر بصورة غير متساوية وغير منظمة.
هناك شباب يشاركون في الأحزاب، وآخرون في المبادرات والمجتمع المدني، وغيرهم في الإعلام وصناعة المحتوى والبحث الأكاديمي. وهناك ملايين يتابعون الأحداث ويناقشونها يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن هذه الطاقات غالبًا ما تعمل في مسارات منفصلة.
وهنا تظهر مشكلة أساسية: الطاقة السياسية غير المنظمة يصعب تحويلها إلى قوة سياسية مستدامة.
فالتأثير الحقيقي يحتاج إلى معرفة وتنظيم وخبرة ومؤسسات وأدوات واضحة.
كما يحتاج إلى قدرة على الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة.
فليس كافيًا أن ينتظر الشباب وقوع أزمة إقليمية ثم يعلق عليها؛ الأهم أن يشارك في إنتاج المعرفة التي تساعد على فهم هذه الأزمات، وأن يساهم في النقاش حول السياسات التي يمكن أن تتعامل معها، وأن يكون موجودًا في المؤسسات التي تصنع القرار أو تؤثر في تشكيله.

هل السياسة تبدأ من صندوق الانتخابات؟
ليس بالضرورة.
هذه واحدة من الأفكار التي يجب أن تتغير في نظرتنا إلى المشاركة السياسية.
الانتخابات مهمة، والأحزاب مهمة، والمؤسسات الرسمية مهمة، لكنها ليست الأدوات الوحيدة للتأثير.
الشاب الذي يدرس العلاقات الدولية ويعمل في مركز أبحاث، أو الصحفي الذي يشرح قضية إقليمية للرأي العام، أو الاقتصادي الذي يحلل آثار أزمة دولية على الأسواق، أو صانع المحتوى الذي يقدم معلومات موثوقة بدلا من الشائعات، جميعهم يمكن أن يكون لهم دور في تشكيل الوعي السياسي.
وكذلك الدبلوماسي الشاب، والباحث، والأكاديمي، والناشط في المجتمع المدني، وحتى رائد الأعمال الذي يبني علاقات اقتصادية عابرة للحدود.
السياسة الإقليمية في عالم اليوم لا تُصنع فقط داخل غرف الاجتماعات الحكومية؛ جزء كبير منها يُبنى أيضًا من خلال المعرفة والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والرأي العام.
وهذا يفتح أمام الشباب مساحة أكبر للتأثير.
لكن هناك خطرًا آخر
مع اتساع مساحة المشاركة الرقمية، ظهرت مشكلة لا تقل أهمية عن مشكلة غياب المشاركة المعلومات المضللة والاستقطاب.
سهولة نشر المعلومة جعلت من السهل أيضًا نشر معلومة غير دقيقة.
وقد يجد الشاب نفسه أمام عشرات الروايات المتناقضة حول الحدث نفسه، وكل رواية تقدم نفسها باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
لذلك فإن الشباب الذي يريد أن يكون مؤثرًا في السياسة الإقليمية يحتاج إلى مهارة أساسية قبل أي مهارة أخرى القدرة على التفكير النقدي.
ليس المطلوب أن يتفق الجميع في آرائهم، بل أن يمتلكوا القدرة على التمييز بين الخبر والتحليل، وبين المعلومة والدعاية، وبين الموقف السياسي والحقيقة الموضوعية.
فمن لا يستطيع التحقق من معلومة، لن يستطيع بناء تأثير سياسي مستدام عليها.
إذا أراد الشباب العربي أن ينتقل من موقع المتابع إلى موقع المؤثر، فهناك مجموعة من الأدوات لا غنى عنها.
أولها المعرفة. فالحماس السياسي دون معرفة قد يتحول إلى انفعال.
وثانيها فهم الاقتصاد؛ لأن السياسة الإقليمية لا تنفصل عن التجارة والطاقة والاستثمار والموارد والممرات البحرية.
وثالثها فهم العلاقات الدولية، ومعرفة مصالح الدول والقوى الكبرى بدل النظر إلى الأحداث باعتبارها مجرد مواقف أخلاقية أو شعارات سياسية.
ورابعها التنظيم؛ لأن الفرد قد يصنع تأثيرًا مؤقتًا، لكن المؤسسات تستطيع صناعة تأثير مستمر.
وخامسها القدرة على الحوار ؛ فالسياسة ليست مجرد القدرة على الحديث، وإنما القدرة على الاستماع وفهم المصالح المختلفة والوصول إلى نقاط مشتركة.
وأخيرا، يحتاج الشباب إلى المشاركة الفعلية في المؤسسات التي يستطيع من خلالها تحويل أفكاره إلى عمل.
هل حان وقت التأثير ؟
المنطقة العربية تمر بمرحلة شديدة التعقيد. تحولات في موازين القوى، وتنافس اقتصادي وسياسي، وتطور سريع في التكنولوجيا، وأزمات أمنية وإنسانية، وإعادة تشكيل للعلاقات بين دول المنطقة والقوى الدولية.
وفي وسط كل ذلك يوجد جيل شاب يمتلك أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
يمتلك المعرفة بضغطة زر والقدرة على التواصل مع ملايين الأشخاص، والقدرة على الوصول إلى مصادر متعددة، والقدرة على إنتاج المحتوى والتأثير في الرأي العام.
لكن امتلاك الأدوات لا يعني استخدامها بصورة صحيحة.
المستقبل لن يكون لمن يرفع صوته أكثر، وإنما لمن يمتلك معرفة أكبر، وتنظيمًا أفضل، وقدرة على تحويل الأفكار إلى مبادرات ومؤسسات وسياسات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد هل يهتم الشباب العربي بالسياسة الإقليمية؟
فهم يهتمون بالفعل.
السؤال الأصعب هو: هل يستطيع هذا الاهتمام أن يتحول إلى تأثير حقيقي؟
الإجابة لن تحددها وسائل التواصل الاجتماعي وحدها، ولن تحددها الشعارات.
سيحددها مدى استعداد الشباب لأن يتعلموا، وينظموا أنفسهم، ويدخلوا المؤسسات، ويبنوا المعرفة ويشاركوا في صناعة الحلول بدل الاكتفاء بالتعليق على الأزمات.
فربما تكون المنطقة العربية أمام جيل لا يريد فقط أن يعرف ماذا يحدث.
بل يريد أن يكون له دور في تحديد ما سيحدث بعد ذلك.
يسري ثابت
باحث في الاقتصاد والعلوم السياسية
الشباب العربي والسياسة الإقليمية
الشباب العربي والسياسة الإقليمية
الشباب العربي والسياسة الإقليمية
الشباب العربي والسياسة الإقليمية
يوسف أيمن درويش.. عقلية بيعية شابة تقود التغيير وتؤهل الشباب لسوق العمل2026


