أخبارسياسة

مشاركة مصر في حرب اليمن وتداعيات التاريخ على القرار السياسي الحالي

الدروس المستفادة من تاريخ التدخلات العسكرية

تظل الذاكرة المصرية الجمعية محملة بتبعات التورط في صراعات إقليمية لم تكن في صلب المصلحة الوطنية المباشرة، وتحديداً ما جرى في مطلع الستينيات من القرن الماضي. حينها، وجدت القوات المسلحة المصرية نفسها في خضم معارك طاحنة على الأراضي اليمنية، وهو ما استنزف الموارد البشرية والاقتصادية بشكل كبير. اليوم، ومع بروز تساؤلات حول مشاركة مصر في حرب اليمن في سياقها المعاصر، يبرز التساؤل الجوهري حول مدى القدرة على فصل الحكمة السياسية عن الضغوط الدولية التي تسعى دائماً لجر القاهرة إلى مستنقعات خارج حدودها.

التوازن الدقيق بين التحالفات والمصلحة الوطنية

اتخذت القيادة السياسية الحالية في مصر موقفاً اتسم بالحذر الشديد، حيث أكدت في أكثر من مناسبة أن التواجد المصري يهدف إلى الحماية والدفاع عن الأمن القومي العربي، وتحديداً أمن السعودية، دون أن يعني ذلك الانجرار إلى عمليات هجومية مباشرة في الداخل اليمني. هذا التمييز يبدو جوهرياً في نظر المراقبين، إذ يمثل محاولة لتجنب الوقوع في فخ “حرب الاستنزاف” التي كانت تخطط لها قوى دولية لسنوات طويلة، مستغلةً التوترات الإقليمية لتقويض استقرار الدولة المصرية.

قصص من الذاكرة والواقع الراهن

على المستوى الإنساني، لا تزال جراح الماضي حاضرة في بيوت آلاف المصريين الذين قدموا تضحيات غالية خلال معارك الستينيات. فقد فقدت العائلات المصرية العديد من أبنائها، وعاد الكثيرون بإصابات مستديمة غيرت مسار حياتهم للأبد. هذه القصص ليست مجرد حكايات للماضي، بل هي مرجعية أخلاقية وواقعية تدفع نحو التفكير ملياً في أي خطوة مستقبلية. عندما ننظر إلى المشهد الحالي، نجد أن المواطن يتساءل بوضوح: هل يمكن للرد الجميل أو التحالفات الاقتصادية أن تُترجم إلى استثمارات وشراكات تنموية بدلاً من دفع ضريبة من أرواح الجنود؟

مخاطر الانخراط في صراع مفتوح

تظل المعضلة الكبرى في احتمالية تصاعد تهديدات الحوثيين تجاه الملاحة أو المصالح الاستراتيجية، فإذا ما تحولت المهام من “دفاعية” إلى “هجومية” تحت ضغوط معينة، فهل ستظل الدولة قادرة على ضبط إيقاع التدخل؟ الواقع أن المصالح الاقتصادية بين الدول تُبنى على الشراكة التنموية وليس على التورط في حروب بالوكالة تخدم أجندات قوى دولية تسعى لهدم الاستقرار في المنطقة. الحكمة تقتضي أن تكون الأولوية دوماً هي الحفاظ على قوة الجيش المصري لحماية الحدود، وليس لاستنزافه في نزاعات جغرافية بعيدة تفتقر للحلول العسكرية التقليدية.

في نهاية المطاف، يبدو أن الدرس المستفاد من التاريخ لم يغب عن صانع القرار في مصر، وهو ما يفسر الإبقاء على مسافة آمنة تمنع تحول الموقف إلى صدام مباشر. إن الالتزام بالدفاع عن الأمن العربي ضرورة، ولكن يجب أن يتم ذلك ضمن إطار يحمي مقدرات الدولة ويجنبها الانزلاق نحو حروب عبثية لا ناقة لنا فيها ولا جمل، خاصة وأن التاريخ قد أثبت أن السياسة التي تعتمد على المصالح المشتركة والاستقرار الاقتصادي هي الأكثر ديمومة ونجاحاً.

Dr. ahmed osama

طالب بكلية الطب ومحرر صحفي منذ عام 2021، يكتب ويحرر الأخبار في مختلف الأقسام والمجالات الصحفية، ويشارك في إعداد ونشر المحتوى الإخباري بعدد من الصحف والمواقع الإخبارية. 01065964224

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى