المستشار خالد خلاف يوضح فلسفة التوازن الاقتصادي والمالي في عقود الشراكة كما نص عليها قانون 67 لسنة 2010
تحليل قانوني يقدمه المستشار خالد خلاف حول كيفية تحقيق قانون 67 لسنة 2010 للتوازن في عقود الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وضمان المكاسب المشتركة والشفافية وتوزيع المخاطر في مشروعات البنية الأساسية.
مع توسّع الدولة في مشروعات البنية الأساسية – طرق، مياه، صرف صحي، طاقة، مدارس، مستشفيات – أصبح واضحًا أن الموازنة العامة وحدها لا تكفي لتمويل كل ما تحتاجه خطط التنمية. هنا ظهر اتجاه عالمي للاستعانة بالقطاع الخاص عبر عقود طويلة الأجل، يشترك فيها المستثمر مع الدولة في تمويل المشروع وإنشائه وتشغيله، مقابل عائد من تشغيل المرفق أو مقابل مالي تدفعه الجهة الإدارية.
في هذا السياق صدر القانون رقم ٦٧ لسنة ٢٠١٠ بإصدار قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة، بوصفه إطارًا خاصًا لعقود الشراكة (PPP) يختلف عن قانون المناقصات والتعاقدات العامة التقليدي.
القانون ينطبق على العقود التي تبرمها جهات الدولة مع شركات مشروع – غالبًا شركات مساهمة مصرية – لتقوم هذه الشركات بتصميم وتمويل وإنشاء وتشغيل مشروعات البنية الأساسية لمدة قد تصل إلى ٣٠ سنة من تاريخ إتمام الإنشاء، قبل أن تعود الأصول في النهاية إلى الدولة.
هذا النمط من العقود طويل الأجل ويعتمد على تمويل كثيف، ولذلك لا يمكن أن يُترك لعقود نمطية قصيرة المدى، بل يحتاج إلى قانون خاص
جوهر المقالة هو عبارة واحدة وردت في المادة ١٩ من القانون ٦٧ لسنة ٢٠١٠، تقرّر أن التعاقد على مشروعات الشراكة يخضع لمبادئ “التوازن الاقتصادي والمالي لأحكامه، والمكاسب المشتركة لأطرافه، وشفافية طرق التعاقد، وتكافؤ الفرص والمساواة بين المتنافسين
هذه الجملة القصيرة تحمل فلسفة كاملة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط
التوازن الاقتصادي والمالي يعني أن العقد يجب أن يبقى – على مدى عمره الطويل – مشروعًا مجدِيًا ماليًا للدولة وللمستثمر، لا ينهار بسبب تغيّرات اقتصادية أو تشريعية متوقعة في مثل هذه المدد.
المكاسب المشتركة لا مجال لعقد يربح فيه طرف على حساب الآخر؛ لأن انهيار المستثمر يضر بالمرفق العام، واستغلال الدولة للمستثمر يطرد رؤوس الأموال، والعكس صحيح.
الشفافية وتكافؤ الفرص طرق التعاقد (مناقصات – مزايدات – عروض تنافسية – تعاقد مباشر في حالات محددة) يجب أن تُدار بشفافية وفق ضوابط مفصلة في القانون واللائحة، بحيث يكون المستثمر الواثق من نفسه مطمئنًا إلى أن المنافسة عادلة.
كيف يبدأ التوازن قبل توقيع أي عقد؟
١ـ اختيار المشروع من البداية القانون لا يسمح لأي جهة أن تتعاقد بنظام الشراكة بشكل منفرد؛ بل يجب أن يكون المشروع مدرجًا في قائمة مشروعات تُنفَّذ بنظام المشاركة، تعتمدها اللجنة العليا لشئون المشاركة برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وتُدمَج في الخطة العامة للدولة.
هذا يعني أن قرار اللجوء للـ PPP ليس قرار جهة منفردة، بل اختيار استراتيجي على مستوى الحكومة.
٢ـ القيمة التقديرية” و”المقارن الحكومي” قبل أن تطرح الدولة المشروع على المستثمرين، تُلزم المادة ٢٥ الجهة الإدارية بتحديد قيمة تقديرية للمشروع، ثم تقوم الوحدة المركزية للمشاركة بوزارة المالية بإعداد ما يُسمى بـ “المقارن الحكومي”؛ أي حساب تكلفة تنفيذ المشروع لو قامت الدولة به بنفسها، مضافًا إليها تكلفة التمويل والمخاطر التي يتحملها القطاع الخاص.
فإذا كان عرض القطاع الخاص أفضل من المقارن الحكومي من حيث القيمة مقابل المال (Value for Money)، فالشراكة مجدية.
أما إذا كان أسوأ، فلا معنى للدخول في عقد طويل يكلّف الخزانة أكثر مما لو نفّذت الدولة المشروع بنفسها.
٣ــ الوحدة المركزية للمشاركة واللجنة العليا القانون واللائحة التنفيذية أنشآ اللجنة العليا لشئون المشاركة لتحديد السياسة العامة والموافقة على مشروعات وقوائم الـ PPP. .
الوحدة المركزية للمشاركة بوزارة المالية، لتقديم الدعم الفني والقانوني والمالي، ومراجعة دراسات الجدوى، وإجراءات الطرح والتعاقد، ومتابعة تنفيذ العقود.
هذه الأجسام المؤسسية هي “العقل الفني” الذي يُفترض أن يحمي الدولة من توقيع عقود غير متوازنة، ويحمي المستثمر أيضًا من تصميم مشروعات غير قابلة للتمويل أو التشغيل.
رابعًا: التوازن أثناء التنفيذ – بين يد الإدارة وحقوق المستثمر هنا تظهر حساسية عقود الشراكة الدولة تحتاج إلى مرونة لتعديل بعض عناصر المشروع إذا تغيّرت الظروف أو اقتضت المصلحة العامة، والمستثمر يحتاج إلى ضمانات حتى لا تنقلب هذه المرونة إلى تعسّف.
١ــ سلطة التعديل مقابل التعويض المادة ٧ تعطي الجهة الإدارية حقًّا مهمًّا في تعديل شروط البناء أو التجهيز أو التطوير، تعديل قواعد التشغيل أو الاستغلال، تعديل أسعار بيع المنتجات أو مقابل الخدمات، وذلك إذا اقتضت المصلحة العامة، وفي حدود متفق عليها في العقد، وبعد موافقة اللجنة العليا. لكن المشرع في نفس المادة اشترط صراحة ألا يكون ذلك “بما يخل بحق شركة المشروع أو الجهة الإدارية في التعويض” وفق أسس منصوص عليها بالعقد.
إذن الدولة لم تتخلَّ عن امتيازها التقليدي في العقود الإدارية؛ لكنها قيدته بضمان التعويض وحظر الإخلال بالتوازن المالي للعقد.
٢ــ الظروف غير المتوقعة وتغيّر القانون المادة ٨ تُجيز للأطراف أن يتفقوا من البداية على آلية لتعديل العقد إذا ظهرت ظروف غير متوقعة بعد التعاقد، أو حدثت تعديلات في القوانين أو اللوائح المطبقة على المشروع.
بمعنى أنها تنقل نظرية الظروف الطارئة (المادة ١٤٧/٢ مدني) من ساحة القضاء إلى نص تعاقدي صريح داخل عقد الشراكة؛ فيتفق الطرفان سلفًا على كيفية إعادة التوازن (تعديل الأسعار، مدد العقد، هيكل المدفوعات…) بدلًا من ترك الأمر كله للقاضي بعد وقوع النزاع.
٣ـ حماية الأصول ومنع الحجز عليها نصّ القانون على عدم جواز الحجز على المنشآت والأدوات والآلات المخصصة لتنفيذ المشروع وتشغيله، حمايةً للمرفق العام. لكنه في نفس الوقت أتاح – من خلال اللائحة وترتيبات التمويل – للمموّلين أن يحصلوا على ضمانات مناسبة (رهن حقوق تعاقدية، ضمانات وزارة المالية في بعض الحالات، حق التدخل لتمويل تكاليف التشغيل) بحيث لا يشعر القطاع المصرفي أن أمواله بلا حماية.
هذا التوازن الدقيق بين حماية المرفق وتطمين البنوك أحد أسرار قبول مؤسسات التمويل لعقود الشراكة المصرية.
خامسًا: طرق التعاقد كأداة لتحقيق التوازن والعدالة المادة ٢٠ من القانون، بعد تعديلها بالقانون ١٥٣ لسنة ٢٠٢١، حدّدت أربع طرق للتعاقد على مشروعات الشراكة وهي المناقصة أو المزايدة العامة وهي الأصل، وتضمن أوسع منافسة وأعلى قدر من الشفافية والممارسة المحدودة أو العطاءات المحدودة في الحالات التي تستدعي توجيه الدعوة لعدد محدد من الشركات ذات خبرة خاصة والمفاوضة المباشرة مع أكثر من متنافس في بعض المشروعات المعقدة التي تحتاج إلى حوار تفصيلي للوصول إلى أفضل عرض والتعاقد المباشر في حالات محددة يقرّرها القانون (مثل الطابع الاستراتيجي أو الأمني للمشروع) مع اشتراط موافقة اللجنة العليا ومجلس الوزراء.
وجود هذه البدائل لا يهدف فقط إلى المرونة؛ بل إلى إيجاد توازن بين متطلبات السرعة والخصوصية في بعض المشروعات الحساسة، ومتطلبات الشفافية والمنافسة ومنع الاحتكار في باقي الحالات.
اما بالنسبة للدولة تستطيع تنفيذ مشروعات ضخمة دون تحميل الموازنة عبء التمويل كاملًا تحتفظ بحق إدارة المرفق وتعديل الشروط للمصلحة العامة، مع التزام منظم بالتعويض وتستفيد من خبرة القطاع الخاص في التشغيل والصيانة والتكنولوجيا و بالنسبة للمستثمر والقطاع الخاص يجد إطارًا قانونيًّا واضحًا يحمي استثماره طويل الأجل يطمئن أن الدولة التزمت – بنص القانون – بمبدأ التوازن الاقتصادي والمالي و”المكاسب المشتركة ويستطيع التفاوض على بنود صريحة لمعالجة تغيّر القانون، وسعر الصرف، والضرائب، والظروف غير المتوقعة، بدلًا من تركها للمجهول.
اما بالنسبة للمواطن والمجتمع يحصل على خدمات بنية أساسية أفضل (مدارس، طرق، محطات مياه، صرف صحي، مستشفيات…) في توقيت أسرع مما لو انتظرت الدولة التمويل التقليدي مع وجود إطار قانوني ينص على شفافية التعاقد وتكافؤ الفرص، تكون هناك حماية – على الأقل نظريًا – من عقود مجحفة أو فاسدة.
خلاصة ما سبق أن القانون ٦٧ لسنة ٢٠١٠ – كما عُدّل بالقانون ١٥٣ لسنة ٢٠٢١ – حاول أن يضع ميزانًا دقيقًا لعقود الشراكة من ناحية، ميّز هذه العقود عن عقود التوريد والمقاولات العادية، وابتعد بها عن قيود قانون المناقصات التقليدي. ومن ناحية أخرى، لم يتركها لحرية التفاوض بالكامل؛ بل قيّدها بمبادئ التوازن الاقتصادي والمالي، والمكاسب المشتركة، والشفافية، وتوزيع المخاطر بشكل مدروس.
لكن في التطبيق الواقعي، هذا التوازن يعتمد قبل النص وبعده على جودة الصياغة العقدية؛ وقوة وحدات الشراكة داخل الوزارات والهيئات؛ وثقافة “الشريك” لا “الخصم” لدى الطرفين؛ ووجود رقابة فعّالة من البرلمان والأجهزة الرقابية والقضاء.
من زاوية قانونية عملية، يمكن القول إن قانون ٦٧ لسنة ٢٠١٠ رسم الإطار العام لتوازن عقود الشراكة، لكن من يصنع التوازن الحقيقي هم: المشرّع حين يعدّل، والإدارة حين تتفاوض، والمستشار القانوني حين يصوغ، والقاضي حين يفصل.
المستشار / خالد خلاف
المستشار خالد خلاف: جريمة التنمر في القانون المصري

